الآلوسي

178

تفسير الآلوسي

في مقام الروح ذواتكم حتى لا تعتريكم فترة أو غفلة واتقوا الله عن المخالفة والإعراض والجفاء ( لعلكم ) تفوزون بالفلاح الحقيقي ، نسأل الله تعالى أن يجعل لنا الحظ الأوفى من امتثال هذه الأوامر وما يترتب عليها بمنه وكرمه . وهذه الآيات العشر كان يقرؤها صلى الله عليه وسلم كل ليلة - كما أخرج ذلك ابن السني ، وأبو نعيم ، وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . وأخرج الدارمي عن عثمان قال : من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب الله تعالى له قيام ليلة ، وأخرج الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعاً " من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله تعالى عليه وملائكته حتى تجب الشمس " ، وخبر - من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية أماناً على جسر جهنم - موضوع مختلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد عابوا على من أورده من المفسرين ، نسأل الله تعالى أن يعصمنا عن الزلل ويحفظنا من الخطأ والخطل إنه جواد كريم رؤوف رحيم ، وليكن هذا خاتمة ما أمليته من تفسير الفاتحة والزهراوين ، وأنا أرغب إلى الله تعالى بالإخلاص أن يوصلني إلى تفسير المعوذتين ، وهو الجلد الأول من " روح المعاني " ، ويتلوه إن شاء الله تعالى الجلد الثاني وكان الفراغ منه في غرة محرم الحرام سنة 1254 ألف ومائتين وأربعة وخمسين ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين آمين . سورة النساء مدنية على الصحيح ، وزعم النحاس أنها مكية مستنداً إلى أن قوله تعالى : * ( إن الله يأمركم ) * ( النساء : 58 ) ، الآية نزلت بمكة اتفاقاً في شأن مفتاح الكعبة ، وتعقبه العلامة السيوطي بأن ذلك مستند واه لأنه لا يلزم من نزول آية ، أو آيات بمكة من سورة طويلة نزل معظمها بالمدينة أن تكون مكية خصوصاً أن الأرجح أن ما نزل بعد الهجرة مدني ومن راجع أسباب نزول آياتها عرف الرد عليه ، ومما يردّ عليه أيضاً ما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده صلى الله عليه وسلم ، وبناؤه عليها صلى الله عليه وسلم كان بعد الهجرة اتفاقاً ، وقيل : إنها نزلت عند الهجرة ؛ وعدة آياتها عند الشاميين مائة وسبع وسبعون ، وعند الكوفيين ست وسبعون ، وعند الباقين خمس وسبعون ، والمختلف فيه منها آيتان : إحداهما : * ( أن تضلوا السبيل ) * ( النساء : 44 ) وثانيتهما : * ( فيعذبهم عذاباً أليماً ) * ( النساء : 173 ) فالكوفيون يثبتون الأولى آية فقط ، والشاميون يثبتون الثانية أيضاً ، والباقون يقولون هما بعضنا آية ، ووجه مناسبتها لآل عمران أمور ، منها أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى ، وافتتحت هذه السورة به ، وذلك من آكد وجوه المناسبات في ترتيب السور ، وهو نوع من أنواع البديع يسمى في الشعر تشابه الأطراف وقوم يسمونه بالتسبيغ ، وذلك كقول ليلى الأخيلية : إذا نزل الحجاج أرضاً مريضة * تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها * غلام إذا هز القناة رواها رواها فأرواها بشرب سجالها * دماء رجال حيث نال حشاها